مجموعة مؤلفين

3

مجلة فقه أهل البيت ( ع )

وأخيراً وليس آخراً فإنّ المحصّلة النهائية للعلم هي أن يقدِّم للعقل البشري كشفاً . . في حين أنّ الثقافة مآلها أن تخلق في روح الإنسان انبعاثاً ووعياً . . ثمّ إنّ المحاصيل العلمية تستلمها الثقافة كأُصول موضوعية . . وعلى ضوئها يتمّ فكّ الإشكالات وتثبيت القناعات وتحديد المسارات . . أجل . . إنّ العلم من دون ثقافة تتمثّله وتعكس إشعاعاته ما هو إلّا ركام من المدركات التي يمكنها أن تشبع الرغبة في حبّ الاستطلاع . . كما أنّ الثقافة غير المرتكزة على العلم سحابة من المشاعر والطموحات تسري في ليل بهيم لا يزيدها السير إلّا بُعداً . . ولكن عند التحامهما سيثري أحدهما صاحبه . . ولربّما كانت الاستحالات الموجبة والقفزات التاريخية التي مرّت بها البشرية في حركتها الحضارية تعود إلى النمو المتوازي في كلا الصعيدين من المعرفة . . كما أنّ العدّ التنازلي والهزال الفكري سيصبح نتيجة حتمية وطبيعية لانفصام تلك العلاقة التبادلية بينهما . . إنّنا نؤكّد أنّ كل كيان حضاري لا يمكن أن يحالفه التوفيق ما لم يبنَ على هاتين الدعامتين القويّتين سواء في الأفق القيادي أو الريادي . . فلا بدّ من إعطاء كل من البعدين حظّه وإيصاله إلى نصابه المرتجى له . . وإلّا فإنّ الإغضاء عن أحدهما سيجعل الانطلاقة عرجاء . . ويؤول بها إلى الخواء . . ويعرّض حركتها إلى الارباك . . ويودي بخطوها إلى التباطؤ أو التراجع . . ولو توخّينا تصنيف معارفنا وفق الملاك المذكور فسنحصل بالنتيجة على مجموعتين من المعرفة ( العلم + / الثقافة ) مستقلّة إحداهما عن الأخرى . . بيد أنّا سرعان ما نواجه في دنيا المعرفة نمطاً آخر مجمع بينهما يمكن أن نعدّه ثالثهما . . كما هو الحال بالنسبة إلى علم الفقه . . فهو علم بكلّ ما للعلم من مساحة وشؤون . . ومن جهة ثانية هو ثقافة في ذات الوقت بكل ما للثقافة من عناصر ودلالات . . والعلّة في هذه الصيرورة البرزخيّة